محمد بن جرير الطبري
96
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فإنه يقول جل ثناؤه : فلما صورنا آدم وجعلناه خلقا سويا ، ونفخنا فيه من روحنا ، قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم ، ابتلاء منا واختبارا لهم بالأمر ، ليعلم الطائع منهم من العاصي ؛ فَسَجَدُوا يقول : فسجد الملائكة إِلَّا إِبْلِيسَ فإنه لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ لآدم حين أمره الله مع من أمر من سائر الملائكة غيره بالسجود . وقد بينا فيما مضى المعنى الذي من أجله امتحن جل جلاله ملائكته بالسجود لآدم ، وأمر إبليس وقصصه ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ . . . وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس إذ عصاه ، فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له ، يقول : قالَ الله لإبليس : ما مَنَعَكَ أي شيء منعك أَلَّا تَسْجُدَ أن تدع السجود لآدم ، إِذْ أَمَرْتُكَ أن تسجد . قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ يقول : قال إبليس : أنا خير من آدم ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فإن قال قائل : أخبرنا عن إبليس ، ألحقته الملامة على السجود أم على ترك السجود ؟ فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود ، فكيف قيل له : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ وإن كان النكير على السجود ، فذلك خلاف ما جاء به التنزيل في سائر القرآن ، وخلاف ما يعرفه المسلمون . قيل : إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له ، غير أن في تأويل قوله : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافا أبدا بذكر ما قالوا ، ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب ؛ فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : ما منعك أن تسجد ، و " لا " هاهنا زائدة ، كما قال الشاعر : أبي حوده لا البخل واستعجلت به * نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله وقال : فسرته العرب : أبى جوده البخل ، وحملوا " لا " زائدة حشوا هاهنا وصلوا بها الكلام . قال : وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر " البخل " ، ويجعل " لا " مضافة إليه ، أراد : أبي جوده " لا " التي هي للبخل ، ويجعل " لا " مضافة ، لأن " لا " قد تكون للجود والبخل ، لأنه لو قال له : امنع الحق ولا تعط المسكين ، فقال " لا " كان هذا جودا منه . وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله ، غير أنه زعم أن العلة في دخول " لا " في قوله : أَلَّا تَسْجُدَ أن في أول الكلام جحدا ، يعني بذلك قوله : لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد الجحد ، كالاستيثاق والتوكيد له ؛ قال : وذلك كقولهم : ما إن رأينا مثلهن لمعشر * سود الرؤوس فوالج وفيول فأعاد على الجحد الذي هو " ما " جحدا ، وهو قوله " إن " فجمعهما للتوكيد . وقال آخر منهم : ليست " لا " بحشو في هذا الموضع ، ولا صلة ، ولكن المنع هاهنا بمعنى القول . إنما تأويل الكلام : من قال لك لا تسجد إذ أمرتك بالسجود ؟ ولكن دخل في الكلام " أن " إذ كان المنع بمعنى القول لا في لفظه ، كما يفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول ، وهو له في اللفظ مخالف كقولهم : ناديت أن لا تقم ، وحلفت أن لا تجلس ، وما أشبه